كَم يليق بنا

خريفنا المتكرر

* حبيب السامر *

‏إظهار الرسائل ذات التسميات في مرايا الآخرين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في مرايا الآخرين. إظهار كافة الرسائل

7.07.2009

في حوار مع الشاعر العراقي حبيب السامر: حاوره: ربيع عوده داورد

- نحن من يغزل حروف القصيدة لتبقى متوهجة

- أنا مدين للتنومة بكل شيء

- الشعر بخير لو تخلص من اشباه الشعراء

*متى حدثت عند السامر ولادة القصيدة؟

- الولادة .. تعني المخاض،وتحديداًالى لحظة الانبهار الأولي لعالم جديد، حروف وكلمات داخل اسارير الشاعر تخرج الى بياض الورق بعفوية لتصنع صعقة جديدة بين انسيابية القلم على مساحة الورق، لحظة صدق قصوى لا أحد يدركها إلا الشاعر نفسه،فيها تجلي وصوفية وانسلاخ تام لكينونات تنمو تدريجيا وتكبر حتى تكون بمفهوم الأدب قصيدة!

وإذا اردتني ان اعود للحظة كتابة القصيدة الأولي …. هذا يعني اني اقلب كل اللحظات بعفوية متناهية لأصل الى لحظة كسر الصمت ببوح القصيدة.. وادرك الآن انه في سبعينيات القرن الماضي وبالتحديد يوم كنت طالبا هادئا في ثانوية شط العرب، حيث الأجواء الناصعة بالطيبة والخضراء بالنخل وامتدادات الشجر (التنومة) مدينة العشق الأول للحرف يومها كان مدرس اللغة العربية يأخذ دفتر الأنشاء أو احياناً يستدعيني لقراءة ماكتبه في الأنشاء على طلاب المراحل المتقدمة على مرحلتي الدراسية وسط ذهول وحيرة الاصدقاء، وقتها لم ادرك ان ما أكتبه يثير دهشة المدرس والطلاب، لكنه كان حالة طبيعية لما قرأته من شعر وقصة قصيرة وكتب اللغة..كنت أحس ان مدرسي يحتفي بي كل يوم دون أن اعلم من خلال كلماته التي اتذكرها لحد الآن.

نعم ..وقتها كنت اكتب واخفي ما اكتب.. واحيانا أقرأ لأصدقائي ماأكتب .. من هنا جاءت اللحظة الاولى؟

*طقوسك مع القصيدة… ماأسرار مخاضاتها اليوم؟

- القصيدة تجيء دون استئذان..تحضر وقت تشاء وتغيب عنك وتخاصمك وقت تشاء ايضا …ثق يا صديقي لم اهيء نفسي في اي يوم من الايام واعد واحضر اوراقي واقول سأكتب قصيدة.. هذا اقحام للنص وتجده خال من الصدق والعفوية وتجد نفسك تكرر نفسك وتجتر مفرداتك دون وازع محبة بينك وبين النص . القصيدة عالم قدسي، حين تحضر القصيدة هو انك تكون لست انت لحظة التعامل معها.. مخلوق آخر يمسك بخيوط دخان يغزلها بحروف ضوئية لتكون القصيدة . وحين تفرغ شحنات النص تجد نفسك شكلا آخر يريد ان ينطلق في الهواء، يحلق ..يرسم عوالمه . واحيانا أخر تجد القصيدة وقد تلبستك تعكس جذوتها عليك دون ان تدري فتسبغ عليك طابع الحزن أو الألم أو …. ! عجيب أمر هذه المخلوقة ( القصيدة ) .

*حضرت متأخراً جداً .. ما أنت .. مابعد هذا الحضور..؟

- انا أثرت ان يكون عنوان مجموعتي الثانية (حضور متأخر جدا) لسببين مهمين هما السبب الزماني لأصدار المجموعة والمكاني لها .. وانت اعرف ياصديقي إني اكتب الشعر منذ اكثر من ثلاثين سنة ووقت صدور مجموعتي (زمن طويل جدا) لكني اردتها هكذا حيث سبق ان أصدرت مجموعتي الأولى (مرايا الحب …. مرايا النار) أما الثانية بحضورها المتأخر لكني كنت متواصلا مع مبدعي العاصمة وبحضور متميز رغم غيابي عن البصرة لأسباب العمل لكني كان حضوري مستمرا للبصرة (القلب) والتقي مع صديقي الشاعر الرائع (حيدر الكعبي) الذي كنت في السبعينات ومطلع الثمانينات نلتقي ويشكل دائم وكان مدار حديثنا هو الشعر.اما بعد الحضور فأنا الآن منغمر بالقراءة وبتجديد أدواتي الشعرية اصدرت مجموعتي الشعرية الثالثة (رماد الأسئلة) وحاليا اعكف على اصدار مجموعة شعرية تهتم بالنص المفتوح كبنية جديدة في البناء الشعري والمعرفي وأسعى دائما الى تطوير قابلياتي الأبداعية بعيدا عن اللغط والنميمة الأدبية وضياع الوقت .

*لو نعطي السامر ..أوراقاً، علبة سجائر، وبساطاً ونأخذه الى جيكور… ترى ماهي الطقوس ونوع الأحاسيس .. ومانوع القصيدة التي سيكتبها السامر ؟

- حتما ساكون وسط أجواء سيابية تماما ..اضع البساط قرب بويب على حافة النهر الناضب الآن، أتمنى لحظتها أوربما اتخيل السياب حاضراً، استأذنه..ليعيرني قلمه وورقة من اوراقه وأقول كم هي خجلة الكلمات ياسيد الشعر في حضرتك.. بويبك ناضب، جيكورك لم يعد كما ألفته ياكوكباً دار فيه الحرف وأرخ لقرية ستطالها عناكب النسيان.. استأذن السياب ليكتب كلمته الأخيرة وحين أفرغ من حلمي اجد قصيدتي الجديدة [احاسيس لم اعدها سابقا كلمات ممزوجة بالعراجين النافرة.. وبقصب (الصرائف) المتهدلة.. أجواء خصيبية خالصة .

*ماهي الطموحات؟

- انا متواضع بطموحاتي دائما .. واتحسس احلامي ايضا .. اضع نفسي في حيزها لا أريدني ان اكون اكثر ممايجب لذا انظر للناس ايضا بعيون الجمال.. بعيدا عن الحسد الثقافي، قريبا من الرؤية التي يجب على المثقف ان يتمتع بها .. الجمال، الجمال ياصديقي هو قلب المثقف وحين يكون العكس لا اعتقد انه يحسب على وسطنا الثقافي وعلينا ان نضعه في مداره الحقيقي ليس إلا !!

*لو أخذنا من روحك موهبة وحرقة الشعر كيف يكون رد فعلك المفاجيء؟

- هنا تسلبوني (حبيب) الذي رافقني كظلي وهو يعيش معي يتنفس برئتي ينظر بعيني يكتب لي قصائد عشق جميلة .. يترجم احاسيسي ببوح باهر لايملني حتى في اسوء حالاتي وما اكثرها يكتبني كلمات ويرسمني لوحة بحجم القصيدة .. هل لك ان تحيا بلارئة؟؟ هل لك ان تكتب دون قلب؟ هل لك ان تمضي دون وازع لرغبة تعتصرك حد النخاع؟ وكم هل سأقولها حين تأخذ مني المستحيل !! كم هو مضن ان تعيش دون حرقة وانت تتقصى شساعة الالم في بوحك الدائم؟! خذ انت كل شيء واترك لي حرقتي !!

*نادي الشعر ماسر اختفاءه؟

- لااكتمك سرا إذا قلت لك اني اندفعت حرصا على المشهد الثقافي البصري مع زملائي كثيرا. تعاملت بحسن نية خالصة للثقافة واستمر عملنا بشكل جميل،لكن بعد فترة انتبهت الى نفسي وجدتني في المواجهة رغم اني (نائب رئيس نادي الشعر في البصرة) فحرصت ان يأخذ كل مسمى مهني في النادي دوره الفاعل فأثرت التريث في اندفاعي الذي كلفني الكثير من العناء والمواجهة رغم اني اعتز بها لكونها تدخل في حيز خدمة المثقفين وانا على استعداد لتلبية اي عمل يناط بي . نادي الشعر لم يختف ..لكن غياب المكان المناسب لعقد الجلسات الشعرية والنقدية والمحاور النقاشية هو أحد الأسباب التي اعتقدها وهناك اسباب اخرى لامجال لذكرها.

*القصيدة اليوم ماهو خطها البياني في سلم الشعر؟

- القصيدة هي ذاتها في كل وقت لكن الحشر غير المبرر في جسد القصيدة من البعض يضعها في قفص الاتهام وهي تعلن براءتها من هؤلاء. التجريب والتجديد مطلوبان لكن شرط ان لاينخر هذا التجديد جسد القصيدة وان يلونها بألوان طائة..مثلما اخذت الرواية وعلى تعاقبها حيزا كبيرا في (نوبل) ينتظر الشعر ليعلن فوزه في جائزة (نوبل) للآداب . أما خطها البياني فهذا دليل على عافيتها حتى وإن اضطرب خطها البياني ستظل القصيدة الجميلة والمؤثرة والتي ثؤثث لمملكة الشعر هي عنوان الأصالة للأدب الناضج؟

ما قول السامر في:

*التنومة: عشقي الأول للطبيعة والحرف والجمال

*القلم: حبر البوح

*أحزان الشاعر: ثقب في باب القصيدة انظر من خلاله للعالم

*اللحن البصري: يستل روحي من مكانها

*القمر:صديق لا أمله ولايملني

*الأنترنيت: صلة مع العالم، يختصر لك المسافات

*السواقي: لحظة بكاء لشي لا يتكرر

*عادل عبدالوهاب: صديق حميم ووفي لا أفارقه

*لاجدوى من البكاء أبدا: نداء الشاعر جبار الوائلي لنا جميعا

*أحلام اليقظة للشاعر: ناقوس انذار لما لا يتوقع

*الداكير: منطقة اعشقها وقصيدة احبها لأنه فيها رائحة ابي (رحمه الله)

*لحظة السعادة الشعرية: حين تولد القصيدة على الورق واحس انها اضافت جديدا

*- ر.ع . د : عاشق جبران روحه ممزوجة مع الأصدقاء والفن والأدب

*ماذا تشعر وانت تقرأ قصيدتك على الحضور ؟

- اشعر اني اضع قلبي بين يدي الحضور فأحرص على ان أوصل ما أريد بعناية ودقة وصوت مؤثر لأن القصيدة أمانة ابداع في اعناقنا وعلينا ان نتقن هذه المهارة والامانة.

*كلمة أخيرة بينك وبين صديقك ر. ع .د؟

- نحن ليس بيننا كلمات بقدر مابيننا محبة متجذرة وهذا سر استمرار علاقة لاكثر من ثلاثين سنة اواصرها الصدق والمحبة ونكران الذات وحب الخير للآخر.. الشعر بخير لو تخلص من أشباه الشعراء في العالم، الشعر بخير طالما من يكتبه يشع بالجمال وروح الحب، البصرة دائما تتوهج ابداعا لذا تجد طعم الأدب البصري له نكهة خاصة وحضور خاص وفاعل . امنياتي لكل زملائي بالخير والابداع المتجدد

6.26.2008

(رماد الأسئلة) مجموعة من القصائد النثرية تتوهج فيهال الكلمات و تنطلق المعاني مغردة / صبيحة شبر

(رماد الأسئلة)
مجموعة من القصائد النثرية تتوهج فيها الكلمات وتنطلق المعاني مغردة


صدر عن اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة وعلى نفقة شركة آسيا سيل للاتصالات ديوان (رماد الأسئلة ) للشاعر حبيب السامر والديوان يضم 29 قصيدة نثر ..)
وتتميز قصيدة النثر بالكثافة وكثرة الصور الموحية ، التي يأتي بها الشاعر ، للتأثير على المتلقي ، ومنحه صور الجمال الفريد ، ولقد كانت القصيدة النثرية موضع الكثير من الاتهامات ، ووجهات النظر غير المنصفة أحيانا ، والتي تجعل من الشاعر في موضع العجز عن الإتيان بالقصيدة التراثية ، التي يتربع بها الوزن والقافية ، مفتخرين بقدرة كاتب القصيدة على المجيء بما جاء به الأوائل من فن زاخر بالجمال.
وحتى قصيدة التفعيلة التي جاء بها روادها، في أواخر المنتصف الأول من القرن الماضي ، لم تسلم من توجيه سهام الانتقادات المرة اليها ، ولكنها استطاعت بعد مسيرة النضال ، التي خاضها الرواد وتابعوهم ، ان تثبت أهليتها باستحقاق هذه الكلمة الساحرة لفظة ( شعر)
ورغم إن أغلب القصائد النثرية ، تخلو تماما من كل مميزات الشاعرية والجمال ، التي يمكن أن يسبغها عليها أربابها ، الا أن الشاعر ( حبيب السامر) نجح في أن يقدم لنا قصائد جميلة ، تتميز بروعة المعنى وجمال اللفظة .
ففي قصيدته : ( مطر يبلل قاماتنا) عبر عن غربة الإنسان الحديث ، الذي يجد نفسه منسلخة عنه ، لايمكن ان تمثله ، فهي غريبة ، لايستطيع التمكن من معرفتها والتقرب اليها ، ورغم إن المرآة قادرة ،على عكس الصورة الحقيقية للشخص الواقف أمامها ، إلا إن مرآة الشاعر من العجز والضعف ، لايمكن أن تعبر عن ذاته الحقيقية
في المرآة
أنا شكل آخر
لا يشبهني
تطيل المرآة التحديق إلي
لا أشبهها
إنها مصقولة تماماً
لكنها بلا أذرع
ويستمر حلم الإنسان البعيد عن التحقيق ، وتطول غربته ، وتتفاقم أمام قوى كبيرة ،تحاول أن تقضي على إرادته ، وتنجح غالبا :
أتمهل قارات وجعي
وعمري الآن
خمسون خريفاً
خريف مستمر خلال أيامنا ، في هذه الحياة ، يبتعد الربيع ويستحيل وجوده:
سأحصي الأوراق المتساقطة
فجر هذا الخريف
و ما يتبقى موتي
القصيدة المذكورة مقسمة إلى مقاطع ، مكثفة بعناية ، تبين رغبة الإنسان في الانعتاق من القيود ،بكل أنواعها والوصول إلى المراد ، فأيهما الحقيقة وأيهما الصورة ؟ وأي منهما الأصل وأي منهما الانعكاس ؟
أنا أم أنا
من ينتظر الآخر ؟
في قصيدة ( حارس آخر الليل) يحدثنا الشاعر عن قصة تتكرر كل ليلة ، عن معاناة حارس ، وعن مكابداته الطويلة والعناء المستمر
أخفى الحارس نعاسه
ألقى بالظلمة ،
خارج سياج مراياه
بأصابع الصمت
يبارز ظل الطواحين
ثوى ،
يرنو إلى
انكسار الليل
في زوايا تجاعيده المعتمة
حدقات صفر ،
تتطاير
فوق قامات السنابل المنحنية
تشدها الري
إلى ومضة من فنار
أمواجك
أتباعك
أوثقوا التاج
وأنت :
تهيئ ناراً لبريد آخر الليل
للغابة الماثلة
في عين المدار
سترقد في مكابدات صنائعك الواهنة
ما جدواك ؟
أيها المتعثر بالأخطاء
إن الضيف ،
قاد ظله نحوك
واختفى ،
تحت إمثولاته
وهن انكسار
كم مرت
على أحجارك
خيول العتمة
و أنت ممتلىء
تمازح مسبح
تصافح ظلمة
والحارس لا يزال
يقرص نعاسه
بالدخان والسعال
أخذته اللحظة
بلل تلويحاته
بندى انتظار
استقى الدخان
نحوك قادني الدخان
وبقايا سعال
هيأت لأجلك
خصيب الكلام
شدنا الليل
بسموات مقفلة
فمضينا معا
بؤبؤات ترمق
شوارد النهار
قصائد الشاعر حبيب السامر قصص جميلة ، ففي قصيدة ( طيبون) نجد أناسا طيبين تتناقض أيامهم ، يقضون على الشواطيء سهراتهم ، قد يدركهم النجاح في الوصول إلى الغايات ، ويستولي عليهم الفشل الذريع غالبا ، ورغم فشلهم إلا أن ينابيع أحلامهم لاتجف ، يظل تفاؤلهم شمسا منيرة ، تهديهم رموز حب وظلال

طيبـــون



كانوا
قرب الضفاف
يغزلون قصب الشطوط
السمك الفضي
يأكل حافات الطين
بممالك هرمة
يأتلفون
صبوتهم تضللها سنبلة
يرتلون طفولات الأرق
بمخاض
ينضج مرتبكاً
كالصخور
تتكسر عليها ينابيعه
كالثقوب
تارة تؤي الذئاب
وأخرى
تمهر عرائس الورد
قهوتهم
دمع العيــــــــــن
صبار
لا يعشق الماء

طيعـــــــــــــــــــون
سيقان آس
تصهل كالفراغ
تخبز مساءا تهم باللوعة

* * *

نبوءاتهم
لا تجف
مثل سمرة الرغيف الأول
هيأوا من وقت
وأنضجوا خباز العمر
فيما السمك الفضي
يغادر حافات الطين
يستنشق هواء شباك الصيادين

* * *

الأرق
استبدل لوحته الأبدية
بعرائش الشرفات
وأنت
على كفيك
ينمو وقع المطر
تنتظر قهوتهم
على رصيف
كان هناك
في قصيدة ( المجنون ثانية) تتكرر قصة الإنسان الباحث ،عن تحقيق بسيط لأحلامه البريئة العاثرة ، ويواصل الحلم مهما كانت الإخفاقات عسيرة ، ويتطلع الى الضوء الذي لن يظهر ، فالشمس لن تطلع أبدا ولن يجيء النهار
أنت
ثانية،
ثالثة.....وأخرى
قدماك واهنتان
تقودان خطاك
نحوك
أو ربما
تتباعد عنهما
ذبابة
إمتصت رحيق أسمالك
تفتش
عن مخلفات القطط
في قمامات الظهيرة
تصارح نفسك
بحكايات مبتورة
المدينة
تواً هدأت
يا صديق اليوكالبتوسات
وأخاديد السواقي
تحتذي جلدك
عيناك ترمقان الضوء
في أعلى الدار
تحلم،
تحط على شرفة الكلمات
النافذتان مزهرتان
الجميلة،
في فراشها الطري
لائذة
بندى الحدائق
والقمر الوضاء الوسيع
تأمل حلمه
حاول أن يقفز
في المرايا
تعثر بأسماله
وبقايا نباح كلب
تعالى صوته:
- اخلدوا للنوم المضجر
أيها المجانين
النهار لن يطلع غدا

في القصة الجميلة المنسوجة بعناية ( المذيعة الجديدة): نجد اندهاش بطل القصة بجمال المذيعة ، وبفخرها بدفء صوتها ، وبياض لحمها ، وبالغنى الظاهر على شكلها ، من اقتنائها غالي الثياب ، لاتبالي تلك المذيعة بما يخلقه ظهورها من رجفات متلاحقة في الرجل المشاهد ، تقذف جمرتها ، لتحول بين المشاهدين وبرودة الثلج الآخذة بالانصهار
أليفة كانت
تخطف سحر
الزئبق
بصوتها المائي
تتباهى
ببياض زندها
والقطيفة
ونحن تتمالكنا
الرجفات
* * *
مثل عصفور المطر
تحط
على أغشية
الفجر الأول
تفرش
ضحكتها على النافذة
تقذفنا بالجمرات
تشفق على سلالتنا المنكوبة
لتزيح الثلج عن رؤوسنا
كانت ترمقنا
نحن الغرباء
تلهج بخيبتنا
لا أحد
ينهض الآن
سوى دخان
تدجن أوجاعنا
للنشرة القادمة
ويواصل الشاعر الجميل قصصه المتلألئة ، بعذوبة الألفاظ وانتقاء المعاني ،ونسجها بطريقة تسر القاريء ، ففي ( تحولات المهامس)

1
إجتذب القهوة عنوة
وراح يحاور الجالس
على أريكة قلقة
قال القادم توا ...
ـ لقد بردت قهوتك
وأنت تتأمل السماء الفسيحة
عبر فضاء مغلق

2
اقترب من أذنيه
قليلاً
وراح يصغي بقسوة
لأول الأخبار

3
نام الصيف كله
ليصحو
على قرقعة الرعد
أفاق...
يئن ,ينشج
يهمس في شجاعته
يتفجر وحشة
ليرمم يأسه برصاصة

4
برر شجاعته
لينتظر
وسط حشد من الفراغ
بعثره الدخان
نخزته الغمائم
فتذرع باليقين
يختار الشاعر من قضايا الإنسان العراقي المهزوم بفعل الحروب المتكررة ، أفكارا لقصائده التي تتحدث عن ذلك المخلوق الرائع المحب للجمال ، والمناضل باصرار ، ولكن معاناته بلغت ثقل الجبال ، فوجد نفسه معزولا ، وقد انبهرت به الدنيا ، ورأسه على كتفه:

أيها الرأس ، حتماً سيهنئك الغراب


أيها الرأس
بجسدي
الدرع إحتمى
الوردة تزاحمني
تبتغي عطرها
وأنا مثقل بالحروب
بطيئة ..
حمائمي تغادر محاجرها
فأغدو..
سحابة متدلية
بعناقيد السماء
لم تعر عطرها
وسط انثيالات التبجيل

2
أيها الرأس
أبحث عنك ، ... بجلوك كثيرا
ونحن نتساءل ، من سيفيق في الخط الأخير ؟!
فورانات الساعة
تهب إفقها المعطل أسى
لا تلمس ضبابها
بأكف صنوبرية
صرختي ،
مأخوذة بالسراط
الخافقات لم تعطِ للنذر نهاراتها
لتحاور هفواتي
كالضغائن
بأجنحة خاملة

3
أيها الرأس
بك إنبهرت الدنيا
وأنت القابع ، ألقانع فوق جسدي
لم يكن العطب
في سلالات الزحمة
كاللذة دونما خافق
وأغدو..
زهوي بلون الفضة
وأساي مغلول حد الوجع

4
أيها الرأس
أنت المترنح فوق رقبتي
بعينين مفقوءتين
وأذنين مثقوبتين

وفم أخرس
أرتق بهجتك بالقرنفل
لتفق على مجد
يحسدك عليه الغراب
حتماً ..
سيهنئك الغراب

تكثر زنابق الجمال في مجموعة الشاعر ، أينما قرأته تجد غصونا تهديك الألق ، والفتنة الحزينة ، ونجوما تبسم للشمس الغائبة ، والنفوس المتطلعة لانبثاق النور ، مهما بلغت عتمة الظلام :

مختارات من قصائد الشاعر
الكون في نعاس دائم
إسرافيل
يرمم نواقيس الوقت
على حبل المطر
اعلق غيماتي
أيها الظمــأ
أدرك لحظاتي
بفراغ الأسئلة
بلــورات العمـر
لا ترسم خطاً واحداً
على ملامح الــورق
لأنه حتماً
سيبحث عن
خطوط أخرى
ليشكل
لوناً هندسياً
قد يتوازى ،
أو يلتقي ،
أو ربما
يظل وحيداً ... مثلي ...
2
أعيديني ،
لسواحل شفاهك
كم هو صعب التمني
سأزيح عنك وسائد الكهولة

3
عكاز شموسنا
قادتنا إلى منفى الفراشات
ومشاجب الأسى
في لحظة مشاكسة
فقدنا وحشتنا
كم أحتاج لزمن أجمع شعرك ،
أصصاً لشرفاتنا
ووروداً ........
بلا أجفان

4
لا تكتب حرفاً , في المرآة
لأنه حتماً .....
سيبحث عن حرف
أو حروف
ليكوّن كلمة دالة
أو يظل وحيداً ... مثلي
زهـــرة النســاء
المراسي القديمة ؛
مع الموج
تمارس لعبتها
و تفصح عن صيد؛
النوارس
تنسلخ من أعماق مويجاته
المح زهرة النساء
منسية على الساحل
أوهنها الصيادون
كم حاولوا بنبالهم
أن يسقطوا القمر
وتفصح عن حفيف مؤجل
يبدؤها أحدهم
يرتعد الآخر
يخبا أسماءنا
في بياضات النجوم
إرتعاشاتها الأولى
مثل الدفق

6.20.2008

حوار مع الشاعر العراقي .. حبيب السامر / حاوره: صابر الفيتوري

حاوره :صابر الفيتوري
الشعر يحتاج إلى فن تتسامى فيه المفردة في فضاءات الأحلام و الرؤى المتصارعة
الإبداع حالة متصلة و متناغمة مع الواقع
هو شاعر من مدينة البصرة ، صدر له مجموعتين شعريتين ،مرايا الحب مرايا النار عام 2001 ،حضور متأخر جداً عام 2005 ،وترجمت قصائده إلى الإنجليزية ،ترتكز تجربته في الكتابة على الغوص أكثر فأكثر الشعر فهو لايكتب غير الشعر تقريبا ولذا اشتغاله الشعري له تميز الشعر حياة وحلما له ديوان شعري تحت للطبع (رماد الأسئلة) من المنتظر ان يصدر قريبا ، ،محاولة أخرى)..
في مسيرة المبدع و ضمن تجربته في الكتابة لابد ان يتذكر أشياء هامة في مسيرته قد يرصد لنا من خلالها إلي أين وصل في تجربته ..
أعتقد أن تقييم المسيرة الإبداعية يُترك للنقاد والمتابعين و المختصين في الشأن الثقافي و الشعر بالتحديد .. ، أما إذا تُرك لي الأمر كمحايد فأعتبر ما من مسيرة انجازية في منحى أدبي صافية خالصة من عثرات زمانية و نكوص شعوري و رغم هذا فقد و لجت هذا العالم السحري بأناة وأنا أقرأ بتمعن للشاعر " بدر شاكر السياب" في مرحلة الدراسة المتوسطة و بهرت كثيراً بقصيدته الأسطورية " أنشودة المطر" على الرغم من أنني كنت أبحر في معلقات الشعر العربي و أدرس بترو قصائد العصور .. كانت " أنشودة المطر" مثل وهج عود ثقاب قدح في رأسي فكانت محطة انبهاري و دهشتي الأولى ..
نشرت أولى قصائدي في جريدة الراصد .. و بعدها في جريدة المرفأ البصرية.، إثناء تلك الفترة اشتركت في مهرجانين قطريين إذ كنت أمثل محافظة البصرة وقتها .. و توالت مشاركاتي .. و نشرت في مجلة الطليعة الأدبية و الأقلام و صحف و مجلات عربية..
استطعت من خلال قصائدي أن أجد خطي و جملتي الشعرية المتفردة بي .. كانت مسيرة حافلة بالمتاعب و المعاناة اليومية و الهموم ، انعكست تأثيراتها في مرآة شعري.
> حدثنا عن مدينتك ورفاق في الكلمة ؟
حقاً كانت مدينة التنومة التابعة لمحافظة البصرة في العراق الواقعة على الجانب الشرقي لشط العرب بكل ما في طبيعتها من جمال حاضنتي و فيها كان أصدقاء الإبداع باسم القطراني ، ربيع عودة ، د. صدام الأسدي ، ياسين السلمي ، قصي عبد الرؤوف .. نتواصل حتى اللحظة معهم جميعاً إلا قصي عبد الرؤوف، الشاعر المبدع الذي غرق في غروب المنافي ..
> ما هو الجديد ؟
أصدرت مجموعتين شعريتين
أ - مرايا الحب .. مرايا النار
ب - حضوراً متأخراً جداً
> هل يحتاج المبدع الى مناخ خاص ليقدم عظيم النصوص؟
يحتاج المبدع إلى مناخات كتابية قد توفرها ظروف الحياة و رعاية استثنائية إلا أنه لم يلقَ أية يد تمتد نحو إبداعه . و هنا أقصد المؤسسات الثقافية ، و التي هي في وادي و الإبداع في وادٍ آخر ..
> متي تشعر ان قدمت كل ما تحلم به ؟
حين تريد أن يتحقق حلم حروفك و تصبح نافذة يطل من خلالها العالم نحو القصيدة ..
> هل هناك عزوف عن القراءة كما يقول البعض؟
و ربما الآن نمر في مرحلة عزوف المتلقي عن قراءة ما نكتب حيث أصبحت كتاباتنا نخبوية ، ومع هذا فأننا ننشد أن نتوغل في مسامات الشارع الثقافي لكي يردد ما نكتب و نأمل أن تكون هناك قاعدة جماهيرية لهذا الشعر عندما يحس المتلقي أن هذا الشعر يمثل همومه و طموحاته.
> هل اخذت الرواية نصيب الشعر ومكانه ؟
لا أدري لماذا الرواية الآن ملاذ الأدب رغم أنها تفسر للقارئ ما في ذاته بسهولة بلغة سادرة صحفية أحياناً ، إذ أن الشعر يحتاج إلى فن تتسامى فيه المفردة في فضاءات الأحلام و الرؤى المتصارعة .. إذ نظل نسعى إلى إثبات منجزنا بترسيخ أكبر ..
> ماذا يحتاج النص ليكون منجزا مبهرا ؟
أنا مع النص الذي يكتب نفسه .. أقصد ليس بالضرورة أن أقحم نفسي في كتابة نص هذا شأنه شأن النجار و الحداد لكن الشاعر يحتاج إلى ومضة .. انبهار .. دهشة .. صدمة .. حب .. لوعة ..كل هذه تصب دورق الإبداع .. لتتصاعد أبخرة المنجز ..
> أين النقد ؟
كارثتنا يا صديقي أن النقد غائب تماماً عن الساحة .. و هناك -أقصد في المجتمع العربي- التمسك اللامعقول بأدوات النقد القديم .. أنظر أين وصل النقد !!
و نقادنا تراوحون في تفكيك لنص أو يكتبون بأتكاءات قديمة ، النقد لا يوازي أبداً ما هو سائد في الساحة الشعرية !!
> هل تري ان الشاعر اول أعدائه هو شاعر مثله؟
و هذه هي المشكلة الحقيقة في عالمنا العربي .. أنه ينأى بعيداً عن الولوج في المساحة الثقافية بحق . - و شر البلية ما يضحك- لماذا لا نحتفي ببعضنا ، نطلق فراشاتنا الملونة في سماء الإبداع ؟ .. لماذا ننتقص من الآخر؟ . لماذا و لماذا....
أنا أعتقد أنالنظرة القاصرة للشخص تعكس مراياها في داخله !
> القصيدة والكتابة هناك من ينظر دائما بضرورة تحديثها أو إصلاحها ؟
ليصلحوا أنفسهم أولاً .. لأن الإبداع حالة متصلة ، متناغمة مع الواقع و هذا الحرف الذي كتبه جلجامش في ملحمته الخالدة ، هو نفسه يرصد، يتسامى ، يحاكي القلوب و ينشد الحب ..
فنون الكتابة تنمو كالعشب على سواحل رطبة . فهي ليست بحاجة إلى إصلاحات كما يدعون !!
> ما هي أحلامك الصغيرة أو الكبيرة ؟
هنا يتجلى دور المبدع في رصد التوترات لتظهر في منجزه. الحروف و الكلمات التي تعبر عن ضمير الشعب الحي و أن يبتعد عن دور المجاملات التي نخرت عظام العرب ..
قل أحلامي الشخصية ، أن أجد حين أنجز مجموعة شعرية من يطبعها لي دون عناء ..
إن ننعم ببياض الفجر ، و عذوبة القمر ، أن نتنفس هواءً نقياً .. و أن نطلق كلماتنا مثل الفراشات السابحة دون قيود .
> هل المكان يحدد تميز الشاعر ؟
ثق يا صديقي و كما أسلفت أن الحروف الهجائية هي ذاتها موجود في كل مكان .. إذن الإبداع يتواجد مع وجود أداته أقصد المبدع .. وهناك ثوابت تتحرك حولها مجرات القلم ينسجها كل مبدع برؤاه يلتقي مع مبدع آخر في مكان آخر.
> هل ثمة فروق بين الشعراء بحيث يكون هذا هناك جيل متميز عن جيل اخر مثلا ؟
قل أن إعلامنا غائب .. و من نستدل بهم غابوا و من يستدلون بنا تاهوا في مدارات مغريات الحياة .. لا أحد أقل مقدرة من الآخر .. لكني تعقيدات الحياة ألقت بظلالها على ورق المبدع و أجيالنا لم تحضَ مثلما حضت الأجيال السابقة التي كانت تنعم بصفاء الحياة على العكس من زمننا المنقوع بالسرعة والموت و الحروب و تفتت ثوابت الحياة ..
إلا تجدنا نبحر في لجج أمواج عاتية و حين نصل إلى السواحل لا نجد من يأخذ بإبداعنا نحو الضوء ..
> هل الجوائز القليلة ولنقل المعدوم التي منحت للشعر العربي دليل على انخفاض مستواه اما القصة والرواية تحديدا؟
الجوائز موجودة و ضمن التخصص الأدبي لكن الرواية اقتفت أثرها نحو الجوائز، و لكن هذا لا يعني أن الجوائز لا تطرق باب الشعر و أن حصل فالشعر قادم ليحصد كل شيء ..
> كلمة أخيرة
دائماً تسبقنا أيها الصديق الرائع نحو مجرة الحرف .
بوركت مخلصاً ، وفياً ، نقياً ، للابداع.

6.10.2008

آليات اللغة الواصفة و الشكل السردي / رياض عبد الواحد

آليات اللغة الواصفة والتشكل السردي

رياض عبد الواحد

يمكننا القول ان الشاعر يتحرك في مناطق شعرية متباينة بسبب حركته غير المستقيمة باتجاه تحقيق الهدف. هذه الحركة تفصح عن هاجس تعبيري قلق ينم عن دراية ذات ملامح متعددة أهمها خرق النسق المتوقع واعتماد البؤر غير المركزية، الأمر الذي يقود إلى تعارض مدروس بين الداخل والخارج، هذا التعارض يخلق نصاً مفتوحاً يبتعد عن منتجات قريبة المسافة عن مركز إنتاج النص وصولاً إلى فضاء كتابي يعتمد تقنية الشكل لتعزيز المضمون.

ولعل هذا الإجراء قصدي ـ تعويضي عن اشتراطات ما هو تقليدي.

(نصيص) المجموعة يلمح إلى زمن مضاع، إذ أن البنية المكانية المتمثلة في مفردة/ حضور/ فاقدة -من جهة الدلالة- لمقومها الحضوري الفاعل إذ أن الشاعر معترف بداءة ان الحضور فقد الكثير من زمنه المؤثر غير أنه يريد ان يشير من طرف خفي الى أن ذلك الحضور له اثره، ولو جاء على حساب فقدان جزء كبير من زمنه الذي يجعله فاعلاً وبذلك يخسر الحضور الكثير فما يمكن ان يفعله لو كان حضوراً مبكراً. إذ التضاد حاصل منذ البداية بين زمن الحضور وزمن التأخر، بمعنى ان حضور الأنا في زمن الآخر المشتهى في ضوء دلالة النصوص حضور خارج عن وظيفته. سنختار بعض القصائد التي تخدم هدفنا من هذه القراءة وسنأخذ القصيدة الأولى في المجموعة يبدأ (النصيص) في هذه القصيدة /مقافل الرؤى/ بخلق إشارة دلالية تعبر عن /الانفعال الزمني/ لا المكاني لأن فعل الإقفال مرتبط بـ/الرؤى/ المتعبنة زمانياً. ويمكن أن نستنتج من صور النص ان الآخر يشكل جمرة ذلك النص بدليل القرائن المثبوتة على جسده. يتم حضور الآخر بوساطة أفق يأخذ شكل التكور الحامل لفنائه منذ لحظة الولادة:

دعي جسدي

يكون قربك

فقاعة...

هكذا حضور يدفع باتجاه التشبث المغاير، بحضور متحقق سلفاً لكن هذا الأجراء يدفع بالنص الى تبئير يبتعد عن المكان – المركز/الجسد. إذ أن:

الجسد= فقاعة = الغياب المتحقق في الزمن اللامرئي.

هذه التعادلية المتضادة مغلفة بفضاء استعاري جميل ذي انزياحٍ غير مترهل بل ملموم في بؤرة مشعة

وغرفتي ستفتحها الرياح

وتسلخ من فمي صرخة

هنا عملية /الفتح/ تحتاج الى فاعل حسي- ملموس، غير أن استعمال الرياح جاء لتحقيق غرضين ليسا من أصل مصدر/الفتح/ اولهما تحقيق شعرية عالية من خلال خرق علاقة الإسناد بين الغرفة والريح، والريح وعملية السلخ. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى خلق النص بؤرة جديدة غير البؤرة المركزية المتمثلة بالجسد في مواجهة الآخر. ان الشاعر استعمل تقنية القطع والعودة السريعة إلى نقطة ما قبل القطع بغية دفع البنية السطحية إلى الالتحام مع البنية العميقة بواسطة النسق النازل المتمثل بامتداد الزمن عبر بوابات ضيقة خارج البؤرة الممثلة له... هذه التعامدات تخلق مجموعة من الفواعل النصية التي تدفع باتجاه الانفتاح على ما يناسب/ إقفال الرؤى/ وبسبب من هذا التداخل الذي تخلقه التجربة بتواصل شعري متجانس يخلق انسجاماً شفافاً بين هذه التعامدات.

وتتحرك الدلالة بوساطة الدال اللساني/وَدَعْ/ الذي يشير إلى الانفلات والتخلي عن المكان المحاط بظلمتين: ظلمة السكون وظلمة الظلال. فظلمة السكون حاصلة في ذاتها كما هي عليه في الظلال غير أن القضية لا تكمن في هذا الدال اللساني لكنه متحصل في الدال اللساني المضايف/يداهم/. ففعل المداهمة فعل حركي، يحمل في بنيته التوثب والخفة والفطنة ويتأبط سيف الزمن الحاد لنجاح فعل المداهمة، لذلك ارتبط هذا الفعل بالتوصيف المضايف/زعانف الطوفان/، إذ أن الزعنفة تعمل ضمن حقلين أحدهما انها /بوصلة/ والأخرى انها جهاز الدفاع والهجوم، وبذلك يحقق فعل المداهمة دلالته القوية في منح المكان صفة المواجهة، مواجهة الآتي فيما يتحقق داخل بنية الزمن. ويضج النص بالصور التجريدية القائمة على دفع النص باتجاه تكوين مهيمنات تخدم الهم العام له من خلال فجوات متحركة تضيق مرة وتتسع مرة أخرى لتكون معادلاً دقيقاً لعملية /الإقفال/ المنوه عنها في /النصيص/ لهذا يختار الشاعر الجمل الاسمية ذات السمت الثابت لكي تعضد فعل الأفعال.

مرايا قرمزية

عيونها جناحات

تشع عبر أرصفة ومقبرة

ورغبة يوظفها السؤال

في حنايا الزمن السائب

مفازة رملها الضوء والشمس

وملحها الأجاج

كأن ظلها يدنو

وتقبض راحتاها ماء عين والضحى وجهاً

يبلله القطر

وهمس البراكين

من الناحية الدلالية يكرس هذا المقطع هيكلية المكان كما يكرس في الوقت نفسه هيكلية الزمن عبر تشاكل وصفي للاثنين لكنه أي التشاكل على تضاد محسوب لهاتين الركيزتين، فـ/عيون المرايا/ تقوم على زمن ممتد بنحو أفقي لكنها في الوقت نفسه تبحث عن أرضية تحط عليها عبر الدلالة اللسانية المكانية المتمثلة في /الأرصفة+ المقبرة/.

هنا تنشطر الدلالة المكانية إلى شطرين احدهما يمثل الولادة التعيسة المرمية على أطراف الشوارع/الأرصفة/ والأخرى تذهب باتجاه النهاية المحتومة/المقبرة/ المستقر الأخير لهمود الجسد. وعلى الرغم من هذه النهاية إلا إنها /تشع/ من موتها في زمن هلامي يتيه في مفازة لا يغادرها الوضوح والالق والكشف المتمثل في /الشمس/والضحى المنقلب الى وجه يبلله القطر الذي هو سر الحياة... لكن هذا القبض يحمل مضاده /البراكين/ وان كانت هامسة.
اما قصيدة /سلالة التكوين/ فأن/ النصيص/ يميل دلالياً الى تزمين ظرفي امتدادي، بمعنى تمييع زمن اللحظة باتجاه خلق بؤرة دلالية تعتمد الخاص لكنها تطمح إلى احتواء ما هو عام. يحتفظ النص بترديداته الزمنية المقفلة إغلاقاً تاماً، او كاملاً /محاطاً بسلالة التقاويم/ لكنه لم يلغ تمظهر المكان بوساطة /المرايا المتورمة/ التي تبدو ذات دلالة مرمزة باتجاه المرايا المحدبة convex التي تبقى فيها الصورة غير متغيرة. أما الفيض الحاصل عن المرآة المتورمة فيتكون من مجموع الشعاعات الساقطة مرة بنحو مواز للنصيص ومرة يمر امتداده بالبؤرة المركزية فينعكس عنها وكأنه يوازي محورها، لهذا جاء التشبيه مكتنزاً بتعطيل الحواس حتى لا يتحقق ما هو بمنزلة اليقين في ضوء معطى المرايا الراصدة لكينونتها المغسولة بـ/أجراس الجسد المختلج/ هذا الاختلاج متحقق في بنية الجرس في الأصل لذلك أعطى منتجات مشابهة له دلالياً إضافة الى ان مسافة الإنتاج الحاصلة بين الأجراس والجسد المختلج مسافة تكاد ان تكون معدومة. أما الانغماس بالورد فهو غير/ بروق الأساطير، فمنتج هذه البروق متشعب إلى ثلاثة منتجات لا يجمعها سوى الحروف الرابطة بينها والتي تحقق تعانقاً بين الصوت والمعنى إذ أن:

فأسس = فـ + أ + س

رأس= ر+ أ + س

فار= ف + أ + ر

التعالق حاصل بنحو تبادلي، فالهمزة هي القاسم المشترك الأعظم، وهي أي الهمزة (نقطة لابتداء ظهور الألف، فالاشكال الأربعة لمظاهر الإلف تبدأ بالهمزة) ءُ/ء/ آ
همزة مطلقة ءِ

فحرف الراء تكرار ديمومة الفعل بنحو منظم

حرف الفاء استقبال الزمان والمكان (الوجود)

حرف السين استمرار الفعل(1)

هكذا يربط الشاعر بين بروق الأسطورة وهذه المفردات الثلاث، ولم يكن هذا الربط ربطاً عشوائياً، إذ أن لغة الأسطورة (لها خصائص التزامن والتتابع فزمنها هو الآن الزمن القابل للإعادة =اللغة= التزامن غير القابل للإعادة = الزمن الاحصائي= الكلام= التتابع)(2)
هكذا تشكل العالم السردي للمكان عبر سلسلة دائرية تبدأ بمهيمن تقويضي وتمر عبر مركز إنتاجي لتستقر عند نقطة تقويضية تستلهم ما بعدها عن طريق الامتداد الأفقي لمكون مكاني هو/الجدار/ الذي يحاذي بنية الزمن عبر مفردات الصمت والسكون. ان نهاية النص تحاول الخروج من الأنا /الفرد إلى الآخر/ الكلي المتولد أو المولد له. ان /سلالة التقويم/ هي المهيمنة الرئيسية التي انطلق النص منها وعاد إليها بمنطق الذات التي تستقرئ وجودها المتحصل من خلال الظلامات التي تتخلل رسم صورة/ الأنا/ فيها بواسطة المقابل الكينوني للمرايا نفسها، ويتم ذلك كله عبر تجسيد صوت الأنا الذي تترآى له الصورة الحقيقية للمرآة وما يتجلى عليها عبر يقظة حواس الأنا بأن زمنها الكلي الذي هو الصورة الأخرى للزمن المتجسدة في ذات المرآة والذي ترتسم معالمه في عيون الشاعر على أنه تسلط خارجي يسعى لتحجيم الأنا لكنه لا يقوى على ذلك بسبب من اللحظة /الزمن الذي ينبغي ان يتحقق ذلك فيه ، هو زمن يلفظ أنفاسه الأخيرة في سورة تكوين الآخر.

--------------------
الإحالات:

* حضور متأخر جداً/ مجموعة شعرية / حبيب السامر/ مطبوعة على نفقه الشاعر/

ط1/2005.
1-
اللغة الموحدة/ عالم بسيط / ج1/ص111/بغداد.

2-الأسطورة والمغنى/ ليفي شتراوس/ ترجمة وتقديم د. شاكر عبد الحميد سلسلة المائة كتاب،ص5